بحث الكوكب الرابع

الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2008

الحمق يحط على المريخ


بقلم: خالد القشطيني
صحيفة الشرق الأوسط (انقر العنوان لرؤية المقالة على موقع الصحيفة)

نحن نعرف أنانية بعض الشعراء وغرورهم وحماقاتهم. ولكن ننسى أن العلماء لا يقلون عن هؤلاء الشعراء في هذا المجال. شغلوا الناس في القرون الوسطى وبددوا أموالهم بحثا عن حجر الفلاسفة الذي يحول التراب إلى ذهب. والآن راحوا يشغلوننا في البحث عن الحياة في المريخ. ما زالت أمهات الصحف والمجلات تكتب وتصور هذا الفتح الجبار عن إنزال آلة تصوير على المريخ تنقل لنا ما عليه من آثار. إنه بدون شك فتح تكنولوجي مهيب. ولكن ماذا وراءه؟ يعرف العلماء أنه لا يوجد أحياء على هذا الكوكب لتبعث إليهم الـ«سي آي إيه» وكلاءها ليحققوا معهم فيما إذا كان بينهم متطرفون إرهابيون. ما يبحثون عنه هو هل كانت هناك حياة قبل ملايين السنين على هذا الكوكب وانقرضت؟ ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لنا؟ وما هي جدواه؟
تزامن هذا الفتح التكنولوجي مع هلاك آلاف الناس في الصين وبورما نتيجة العواصف والزلازل وموت مئات الآلاف من الأطفال في العالم الثالث نتيجة الجوع والمرض، وتدفق المظاهرات والإضرابات في شتى أنحاء العالم احتجاجا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغياب الخبز من الأسواق. وماذا عن كل هذه الأمراض التي تعصف بحياتنا وتنغص عيشنا وتفرقنا عن أحبائنا؟ راح العلماء الأمريكان يبحثون فيما إذا كانت هناك على بعد ملايين الأميال مكروبات أو طفيليات على وجه المريخ قبل بلايين السنين. أستطيع أن أدلهم على مكروبات وطفيليات لا تبعد عنهم غير أميال قليلة، وربما في الشارع المجاور. وأكثر من ذلك أنها ما زالت حية، بل وتنشب أظفارها (إذا كان للمكروبات أظافر مثل أظافر ساستنا) بأحشاء وأطراف ملايين الناس وتنخر عظامهم وتثير صراخهم وتودي بهم إلى قبورهم.
قبل بضع سنوات، دعا الرئيس ديغول سائر الدول إلى تخصيص جزء صغير من ميزانياتها العسكرية لإنفاقه على دحر مرض السرطان بالتوصل إلى علاج حاسم له. استسخف القوم اقتراحه وسخروا منه. مشكلة السرطان والإيدز وكل هذه الأمراض المريعة هي أننا لا نخصص لها من الميزانية ما نخصصه لتطوير المدافع والدبابات. ومع ذلك فللمدافع والدبابات وظيفتهــا ولكنني لا أجد أي منفعة قط لأي إنسان على هذه الأرض من معرفة وجود أو عدم وجود أحياء على المريخ أو القمر أو بلوتو قبل بلايين الأعوام. بالطبع لها من يبررها ويدافع عنهـــا. يقولون إن ما انطوت عليه من تقدم تكنولوجي سينفع البشر في مجالات عملية. ربما يقصدون أننا سنستطيع مثلا تشغيل التلفزيون ونحن غارقون في النوم أو غلقه بالبصق عليه. فضلا عن ذلك، ستستطيع الدولة القائمة بذلك الإنجاز الفضائي أن تضاعف هيبتها وتستعرض قدراتها أمام الشعوب. ولكن أفلا يكون من الأهيب والأعجب والأنفع أن يحققوا مثل هذه الإنجازات في دحر الأمراض وتطوير الغذاء؟

التعليقات, بتصرف.
النقاش حول المقال في منتدى الصوت الحر, إضغط هنا.

اذا أخذنا بعين الأعتبار, أن الحضارة العربية هي بمثابة الأم لعلم الفضاء وأن معظم النجوم المشهورة والمصطلحات الفلكية أسماؤها عربية وأن العرب في ماضيهم المزهر هم اكثر الشعوب استكشافا للفضاء, وبقراءة هذا المقال التعيس, بالإمكان تكوين فكرة واضحة عن معنى مصطلح "عصر الإنحطاط والتخلف".1
بغض النظر عن ما يريد الكاتب قوله .. فلا شك أننا في عالمنا المعاصر نعاني من سوء توزيع للموارد المتاحة لدعم التقدم والبحوث في مختلف مجالات العلوم و تطبيقاتها.2
إلا أن سوء التوزيع ليس للبحوث فقط بل في كل شيء فمواردنا تذهب في غير مكانها ولمن لا يستحقها, ولكن كاتب المقال له اتجاه أخر في المضمون, وأراؤه المتعددة لن تجد لها صيغة توصيفية, فشتان بين الإهتمام النبيل بتحسين الوضع الإنساني للبشرية وبين ما اراده الكاتب.3
الكاتب يتحدّث عن الحمق وهنا تكمن المشكلة. معظم النظريات العلمية، عندما وجدت لم تكن تطبيقاتها جاهزة. استغرق الأمر عشرات السنين بين الدراسة النظرية والتطبيقات. وفي كثير من المرّات كان جواب العلماء لا ندري ما هي التطبيقات المباشرة على حياتنا اليومية. ولكن بعد فترة وجدنا أنّ التطبيقات أصبحت من أساسيات العيش بعد أن لم نكن نحلم بها لأنها لم تكن موجودة أصلاً. معظم التقنيات الالكترونية دليل على ذلك. اللايزر لم يكن يخطر على بال أحد واذا بنا نستعمله في أكثر العمليات الطبية تعقيداً.
المقصود أنه اذا لم يكن أهل الاختصاص قادرين على التوقع بالتطبيقات فليس الكاتب من يستطيع ان يدّعي انّ دراسة الجزيئات او الفضاء لن تؤدّي الى شيء وأنها الحمق بذاته. هل يعلم أنه في الطريق لفهم مكونات الذرة، تم تشبيها بالكواكب (روذرفورد) وبذلك مهّد الطريق لاعتبار الالكترونات (تدور) حول النواة. ماذا كانت حياتنا الآن لو أنّ الالكترونات لم تكتشف بعد !!
بالنهاية لا يمكن نكران الجانب الواقعي من المقال، لكن الأمر لا يحتاج الى التهجّم على العلم ولا الى الاستهزاء، بالإمكان المناداة بإعادة توزيع الأموال من أجل الأبحاث حول المواضيع الطارئة كالأمراض المستعصية منذ عشرات السنين والطاقة البديلة والاحتباس الحراري مع التشديد على الاحتفاظ بالدعم المناسب لكل المشاريع العلمية لأنّ العلم يستطيع ملاقاة ومعالجة المواضيع المختلفة من زوايا مختلفة.4
فمثل هذه المنهجية التخريبية في التفكير لا يمكن أن تكون مشجعة لتطور العلم. فمثلاً قبل 300 سنة, وضع عالم رياضيات فرنسي يدعى فرمات نظرية لم يتم إستعمالها إلا حديثاً لتشفير المعلومات على الشبكة العالمية! (تم برهنة هذه النظرية عام 1994)
وبالنظر إلى منطقتنا وتاريخنا فعالم الرياضيات العربي الخوارزمي وإبداعاته تشكل اليوم الأساس في علوم الحاسوب !
إذا أردنا أن نتبع نفس منهجية صاحب المقال علينا الحزن على هؤلاء العلماء وهم يضيعون أوقاتهم بنظريات لا فائدة آنية منها.
وهناك آلاف الأمثلة الأخرى التي لم تُستعمل تطبيقاتها إلا بعد عشرات السنين من إكتشافها.
عندما نريد أن نسلط الضوء على سوء توزيع الموارد لدعم التقدم يجب إنتقاد الأنظمة الإستغلالية التي تسيطر و توجه القوى العلمية و لا يجب إنتقاد العلم و التطور حتى لو كان التطور يصب في مجالات لا نرى أهميتها العملية في الوقت الحاضر.5
وبالعودة إلى الموضوع الذي ألهم السيد القشطيني بكتابة مقاله, مثال واقعي بدون فرضيات يبين حسابات الربح والخسارة.
عندما ترسل الناسا مركبة فضائية الى المريخ, تنفق من اجل ذلك المليارات. بدءا من الابحاث الاساسية وانتهاءا بمعاش كل موظف ينتمي الى فريق العمل. هذه المليارات لا تسافر مع المركبة, بل تبقى هنا على الارض. وهي لا تنفق من اجل التسلح ولا تساهم في شقاء اهل الارض. ولا تحترق بعد اقلاع المركبة. إذن هذه المليارات تنتقل من الناسا وتدخل الدورة المالية فتساهم في النمو الاقتصادي والرخاء.
المركبة هذه كلفتها المادية عالية جدا. ولكنها عندما تخرج من الغلاف الجوي للأرض, تصبح لا قيمة مادية لها. قيمتها اصبحت علمية في الغالب ومعنوية بعض الشيء. عندما نحاول عرض الربح والخسارة في هكذا ظروف, علينا العودة الى حساب ما فقده كوكب الارض نتيجة انتقال المركبة من هنا الى المريخ. عند ذلك وجب علينا العودة الى المواد الاولية الموجودة في الطبيعة والتي تكونت منها اجهزة المركبة نتيجة التصنيع البشري. وهي بأكملها لا تتجاوز الألف دولار. كل القيمة الزائدة في الحسابات هي نتاج للجهد البشري الذي بقي هنا.
اما في ما يخص الربح, فالعلم بحد ذاته ربح. واشباع العطش الانساني الابدي نحو المعرفة التي نجنيها من وراء الاستكشاف ربح. والطاقات التي تبذل بعيدا عن صناعة الموت وتخريب البيئة ربح.6
مشكلة بعض الكتاب العرب الذين يحاولون انتقاد مثل هذه المواضيع هي عدم التخصص, وعدم الاطلاع, أي أنهم يقدمون العاطفة على العقل بمقالات نقد علمي تحتاج الى الوعي العقلي. أنهم يسخّفون بشدة التفاصيل الصغيرة, الجزيئات العلمية في الاكتشافات وترابطها بين مختلف العلوم.
لدحض مقالة السيد القشطيني, يكفي أن نأخذ مثالاً على ترابط علم الفضاء مع سائر العلوم ومن ضمنها حتى علم الامراض. ما يحدث في سويسرا من تجربة للبيغ بانغ يضعنا في هذه الصورة.7
يدرك علماء البيولوجيا أن لهم حصة كبيرة من نتائج هذه التجربة، حيث باتوا منذ فترة طويلة يستخدمون الكثير من تقنيات علم الـ Astroparticule وقواعده، الذي يدرس ولادة النجوم والمجرات والكون على مستوى الجزيئة، وذلك في دراسة الجينوم البشري أي طاقم الموروثات الذي يخضع على ما يبدو إلى الكثير من القوانين التي اتضح أنها مشتركة بين العالم المتناهي الصغر أي أجزاء الذرة والعالم المتناهي الكبر أي الكون.غادة نجار/الأخبار

مدونات جديرة بالزيارة