بحث الكوكب الرابع

الاثنين، 31 مارس، 2008

جبال الجليد

على المريخ بحر متجمد بمساحة توازي بحر الشمال الأوروبي, يمكن مشاهدة جبال جليدية مبعثرة على سطحه. اكتشف البحر على صور من آلة التصوير الستيريو عالية الوضوح على متن المسبار الأوروبي "مارس إكسبرس". هذا ما توصل اليه فريق عمل بقيادة الجيولوجي البريطاني جون موراي من الجامعة المفتوحة في لندن. يشارك البروفيسور جيرهارد نويكوم والمساعدان س. فيرنر و س. فان جاسيلت من جامعة برلين الحرة في الابحاث. نشرت نتائج الابحاث في مجلة "الطبيعة" في 17 آذار 2005.
تتواجد المنطقة الممتدة على مساحة 800 ضرب 900 كيلومتر على درجة العرض 5 شمالا ودرجة الطول 150 شرقا في منبسط اليسيوم. قد يصل عمق البحر الى 45 مترا.
كان من المتوقع وقبل "مارس اكسبرس" أن هذه المنطقة قد شهدت في العصر الجيولوجي القريب قبل مليوني الى عشرة ملايين سنة انسياب حمم ومياه على سطحها. فهذه المنطقة تقع 17 كيلومترا الى الجنوب من مرتفعات اليسيوم البركانية. تمكن العلماء في صور البعثات العلمية السابقة من التعرف على وديان انسابت فيها الحمم البركانية, الا ان آثار المياه بقيت مختفية عن الأنظار: كانت التوقعات تفيد أن المياه قد تبخرت بسرعة وتسربت من الغلاف الجوي الرقيق الى الفضاء الخارجي. لكن، كما تبين الصور عالية الوضوح الآن, يبدو أن المياه لا زالت متواجدة في البحر المتجمد حتى قعره.
هذه الصور عالية الوضوح تظهر تضاريس تذكر بالجبال الجليدية في المياه القطبية: تبدو قطع من الجليد المسطح كأنها ترتفع وسط محيطها المنعدم التضاريس وبنفس الوقت تبدو وكأنها تطفو فوقه. هذا المشهد مطابق للجبال الجليدية التي تطفو على البحار. بل ان أبعاد القطع الجليدية توازي مثيلتها الأرضية في البحار القطبية. لذلك يعتقد الباحثون, أن المناطق هذه لا زالت تحتوي اليوم كميات كبيرة من الجليد في باطنها. ما يعزز هذه النظرية هو السطح الاملس للمنطقة. فلو افترضنا أن الجليد قد اختفى من المكان, وجب على سطح المنطقة أن يبدو وعرا أكثر مما عليه الآن بسبب عمليات الحت والتعرية. لذلك من الممكن أن تكون القطع الجليدية مغطاة بطبقة من الغبار تحميها من التبخر. قسم هام من هذه الأغبرة قد يكون مصدرها الرماد البركاني الذي غطى السطح المتجمد انطلاقا من مرتفعات اليسيوم القريبة.
تشكل البحر بشكله الحالي على الأرجح قبل خمسة ملايين سنة, هو عمر فتي بامتياز حسب المقاييس الجيولوجية. يعطي إرنست هاوبر, جيولوجي في مؤسسة ابحاث الكواكب في برلين - آدلرسهوف التابعة لوكالة الطيران والفضاء الالمانية, لهذا الاكتشاف اهمية قصوى, لأنه في حال تأكدت النتائج, فهو بمثابة إثبات بأن المريخ حسب المقاييس العلمية, كوكب نشيط اليوم.
بالامكان حساب اعمار اسطح الكواكب بدقة نسبية على اساس تعداد الحفر الناتجة عن ارتطام النيازك المختلفة الاحجام . بتعبير مبسط, تتبع عملية الحساب هذه واقع أن الأسطح الحديثة العهد, كبحيرات الحمم البركانية, لا تحمل حفرا نيزكية. لكنها تزداد كلما مر الزمن. بهذا يمكن اعتماد توزيع الحفر كمقياس لحساب اعمار الأسطح. امكن  بناءا على هذه العملية تحديد عمر القطع الجليدية بخمسة ملايين سنة, كما المسطحات بينها التي يبدو أنها احدث زمنا.

كبديل للتفسير المبني على كون القطع الظاهرة في الصور هي جليدية التكوين على سطح بحر متجمد, يمكن ايضا استحضار سيول الحمم البركانية المتكسرة فقط. الا ان كتاب المقال في مجلة "الطبيعة" يفندون هذه الامكانية بحجج عدة. فمن جهة تتجاوز احجام القطع المريخية احجام القطع الحممية الارضية مئات المرات. اضافة الى ان محيط هذه القطع يبدو وكأنه قد خسف بمقدار معتبر يمكن تفسيره بتبخر المياه من البحر, في حين أن لا تفسير للأمر بناءا على فرضية سيول الحمم البركانية. فالحمم يتقلص حجمها لدى تجمدها بمقدار اقصى هو واحد بالمئة. الملفت ايضا هو ان القطع الجليدية تمتد على طول 60 كيلومترا, من دون ملاحظة اختلاف يذكر في الارتفاع وهذا الامر لا يتوافق مع السيول البركانية.



الصورة الاولى من المسبار الاوروبي "مارس اكسبرس" في شهر كانون الثاني عام 2004 خلال المدار 32 من ارتفاع 270 كيلومترا. القطع الجليدية يتراوح طولها بين 30 مترا و30 كيلومترا. عرض المشهد 40 كلم, الرؤية من الشمال باتجاه الجنوب. بالامكان ملاحظة قطع عديدة كانت تشكل في السابق قطعا اكبر حجما لكنها تكسرت وابتعدت طافية عن بعضها.
© ESA/DLR/FU Berlin (G. Neukum)


الصورة الثانية تظهر منبسط اليسيوم. المنطقة المعنية بالبحث تتواجد الى الاسفل من منتصف الخريطة الطوبوغرافية.
اللون الاخضر يظهر المناطق المنخفضة مرورا باللون الاصفر والبرتقالي وصولا الى الاحمر الذي يشير الى قمة بركان اليسيوم.
© NASA/JPL/USGS

مدونات جديرة بالزيارة